يحيي بن حمزة العلوي اليمني
205
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
الصنف الرابع [ رد العجز على الصدر ] اعلم أنا قد ذكرنا الاشتقاق فيما سلف وقررنا أسراره ، فأما رد العجز على الصدر فظاهر كلام المطرزي وعبد الكريم صاحب التبيان أن أحدهما مخالف للآخر ، ولهذا أفردا لكل واحد منهما باب على حياله ، وكلاهما معدود في علم البديع ، والذي عندي أنهما متقاربان ، وأن رد العجز على الصدر أعم من الاشتقاق ، لأن رد العجز على الصدر كما يرد في مختلف اللفظ ، فقد يكون واردا في التساوي ، بخلاف الاشتقاق ، فإنه إنما يكون واردا فيما اختلف لفظه وبينهما جامع في الاشتقاق وقد مر فلا وجه لتكريره ، والذي نتعرض لذكره إنما هو رد العجز على الصدر كما نقرره بمعونة الله ، وهو وارد في النظم تارة ، وفي النثر أخرى ، ويأتي على ضروب . الضرب الأول أن يكون الصدر والعجز متفقين في الصورة ، وهذا كقوله تعالى : وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [ الأحزاب : 37 ] وقوله تعالى : لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى ( 61 ) [ طه : 61 ] ومن كلام البلغاء : الحيلة ترك الحيلة ، وقولهم : القتل أنفى للقتل وفي الحريريات : وتحمى عن المنكر ولا تتحاماه ، ومن النظم ما قاله بعض الشعراء « 1 » : سكران سكر هوى وسكر مدامة * أنّى يفيق فتى به سكران الضرب الثاني أن يتفقا صورة ويختلف معناهما ، وهو يأتي أحسن من الأول وأدخل في الإعجاب ، وهذا كما قاله بعضهم : يسار من سجيتها المنايا * ويمنى من عطيّتها اليسار فاليسار الأول هو الجارحة ، واليسار الثاني من الميسرة ، وهو نقيض الإعسار .
--> ( 1 ) انظر البيت في الإيضاح ص 338 بتحقيقنا ، هوى : عشق ، مدامة : خمر ، أنى يفيق معناه : كيف ينتبه ؟ والاستفهام إنكاري .